كيف يغير الإنترنت حياتنا الرفاهية

مع انتشار الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، تتسع تأثيراتها العاجلة والآجلة على مختلف جوانب الحياة الخاصة بالأفراد، وعلى المجتمع بشكلٍ عام؛ فمثلاً أتاحت الشبكات الاجتماعية لكثيرين الاتصال مع أصدقائهم وعائلاتهم في مختلف أنحاء العالم، وفتحت، نظرياً على الأقل، مجالاً أرحب للتعبير عن الآراء والأفكار.

كما وفرت أفكاراً جديدة لفرص العمل، وساعدت كثيرين على إنشاء صلات مختلفة أسهمت في تقدم مساراتهم المهنية بسرعة، وسمحت لمستخدميها ليس فقط باستكشاف وتصور شبكات أصدقائهم والربط بينها، لكن أيضاً بالإطلاع على صلات عائلاتهم وزملائهم.

لكن الحديث عن تأثيرات الشبكات الاجتماعية على الإنترنت لا يقتصر فقط على كلمات التواصل والآفاق الواسعة والتعبير الحر والصداقة؛ فتتراكم الأدلة ونتائج دراسات تُشير إلى تأثيرات أخرى سلبية ومضرة. ويُثار حول هذه المسألة الكثير من الجدل والنقاش الحاد ترافقه نتائج متضاربة لأبحاث، يعتمد كثيرٌ منها على دراسة عينات محدودة العدد والنوعية.

وحاولت دراسة حديثة خوض هذه المسألة الشائكة من خلال تحليل نتائج مسح شمل خمسين ألف شخص في إيطاليا، وجمع معلومات تفصيلية حول تقدير الأشخاص لرفاهيتهم وطريقة استخدامهم للإنترنت. وسعى الباحثان، فابيو ساباتيني من قسم الاقتصاد والقانون في جامعة “سابينزا” الإيطالية وفرانشيسكو ساراكينو في المعهد الوطني للإحصاء في لكسمبورج، لمعرفة ما إذا كان استخدام الشبكات الاجتماعية على الإنترنت يُقلل من الرفاهية الشخصية، وكيفية حدوث ذلك.

ويُميّز الدراسة استخدامها لبيانات عدد كبير من الأشخاص جُمعت على المستوى الوطني في إيطاليا بدلاً من الاكتفاء بمجموعات محددة كالطلاب وغيرهم. واعتمد الباحثان على قاعدة بيانات ما يُطلق عليه “استقصاء متعدد الأغراض عن الأسر” يجريه سنوياً “المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء”، وهو مسح لنحو 24 ألف أسرة، وشمل 50 ألف شخص، واستخدمت الدراسة بيانات تعود لعاميّ 2010 و2011.

ومن بين أهم أسئلة الاستقصاء: “ما مدى رضاك عن حياتك ككل في الوقت الحاضر؟”، ويتطلب السؤال إجابة تتراوح بين “غير راض للغاية” ويُمثلها الرقم “0” إلى “راض للغاية” بالرقم “10”. الأمر الذي وفر فياساً واضحاً لتقدير الأشخاص لرفاهيتهم الذاتية.

كما تطرق الاستقصاء إلى أسئلة تفصيلية مثل عدد المرات التي يلتقي فيها الشخص بأصدقائه، وما إذا يعتقد أن بإمكانه الثقة في الآخرين، كما تناولت بعض أسئلة الاستقصاء استخدام الأشخاص لمواقع الشبكات الاجتماعية على الإنترنت مثل “فيسبوك” و”تويتر”.

ووفرت هذه الأسئلة فرصةً للباحثين لدراسة الارتباط بين الرفاهية الذاتية للأشخاص والعوامل الأخرى المؤثرة في حياتهم، ولاسيما استخدامهم للشبكات الاجتماعية. ونظراً لتخصص الباحثين في الإحصاء، فقد حرصا على استبعاد علاقات الارتباط الزائفة التي يُمكن أن ترجع إلى عوامل مثل التحيز الداخلي، حيث يرتبط أحد العوامل المستقلة ظاهرياً في الواقع بعامل غير ظاهر يتسبب في الخطأ.

وبينت النتائج الارتباط الإيجابي القوي بين الرفاهية الشخصية و التفاعلات المباشرة والثقة التي يُوليها الفرد للآخرين، ما يعني بكلماتٍ أخرى أنه إذا ما كان الشخص يثق بغيره ولديه الكثير من التفاعلات المُباشرة، فمن المرجح أن يُعطي تقييماً مرتفعاً لرفاهيته.

وبطبيعة الحال، لا تندرج التفاعلات في الشبكات الاجتماعية على الإنترنت ضمن التواصل المباشر، وربما يُؤثر ذلك على الثقة التي يمنحها الشخص للآخرين على الإنترنت. ولا يرجع تغير مستوى الرفاهية الذاتية إلى مجرد التفاعل على الإنترنت، وإنما إلى هذا القدر من خسارة الثقة في الآخرين.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود دور إيجابي للتشبيك على الإنترنت على الرفاهية الذاتية من خلال دوره في دعم التواصل المادي المباشر، وفي الوقت نفسه يرتبط استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية بوجود قدر أقل من الثقة الاجتماعية لدى الشخص، وذكرت الدراسة أن “التاثير الإجمالي للشبكات على رفاهية الفرد سلبي بشكلٍ كبير”.

وترجع أهمية نتائج الدراسة، التي جاءت بعنوان “الشبكات الاجتماعية على الإنترنت والرفاهية الذاتية”، إلى معالجة البحث لدور الشبكات الاجتماعية على الإنترنت على نطاقٍ واسع ومن خلال عينة متنوعة.

ولفت الباحثان بشكلٍ خاص إلى التأثير الكبير للتمييز وخطاب الكراهية المنتشر في الإعلام الاجتماعي على معدل الثقة ومن ثم الرفاهية، وخلصا إلى أن توفير مستوى أفضل من الاعتدال يُمكن أن يُحسن مستوى الرفاهية لمستخدمي الشبكات الاجتماعية.

* سبتمبر 2014 ـ نُشر سابقاً في صحيفة “الإمارات اليوم” من “البوابة العربية للأخبار التقنية”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *