الحيوانات وأهل المعصية

صور العلامة إبن القيم في كتابه الرائع ” مدارج السالكين ” ثلاثة عشر مشهداً للخلق في المعصيه , ومن هذه المشاهد مشهد المعصية الحيوانيه وقضاء الشهوه , وقد قال فيه : مشهد الحيوانيه هو مشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية فضلا عن درجة الملائكة فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها وقد قسم العلامة إبن القيم هذه النفوس عدة تقسيمات :

النفس الكلبيه :
وقال فيها : لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى خبيث أو طيب ولا يستحى من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك وكما هو واضح فالحديث عن الذين لا يفزقون بين طيب وخبيث ” حلال وحرام ” وكل ما يهمهم هو الحصول على مبتغاهم دون النظر إلى المصدر أو الوسيله , كما أنه لا يرى ولا يهمه إلا نفسه ولا يعرف معنى التكافل والتعايش والمشاركه , وإنظر لقول الله تعالى : “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَ‌فَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْ‌ضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُ‌كْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُ‌ونَ ﴿١٧٦﴾” سورة الأعراف يشبه الله تعالى حال الذين تركوا الهدى والنور ورموا بأنفسهم للهوى وملذات النفس كالكلب : إن تركته أو زجرته كان لاهثاً .

النفس الحماريه :

وقال عنها : لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا قال تعالى: ” مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَ‌اةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ‌ يَحْمِلُ أَسْفَارً‌ا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ” ﴿الجمعة: ٥﴾

 

النفس السبعيه :

وقال عنها :غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه , وقد حذر العلامة إبن القيم في سياق آخر من أكل لحوم السباع حتى لاتورث طبعها للإنسان.

 

النفس الفأريه : قال عنها : فاسق بطبعه مفسد لما جاروه تسبيحه بلسان الحال سبحان من خلقه للفساد , وقد أسمى الرسول صلى الله عليه وسلم الفأر ب” الفويسقه ” وقد حذر منها صلى الله عليه وسلم في حديثه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « خَمِّرُوا الآنِيَةَ وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ »

النفس السميه :

وقال عنها : من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر والعين وحدها لم تفعل شيئا وإنما النفس الخبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ولهذا لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها: أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات النبوية التي في القرآن والتي في السنة.

وأورد العلامة إبن القيم بعض الطباع الأخرى ومنها :

طباع الخنزير وقال عنها : يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله.

طباع الطاووس : وقال عنها : ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء.

طباع الجمل : أحقد الحيوان وأغلظه كبدا , ويضرب به المثل في حالة الإنسان الذي يضمر الحقد والكراهيه ولا ينسى لشخص ألحق به أذى من قبل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *